آخر الأخبار :
يا نساء العالم: أتستبدلن الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ الموجة الرابعة للرأسمالية.. صراع طبقي معاصر نفحات من كتاب ( الحلقة الثامنة عشر) هل يجرأ الاعلام بعد ذلك؟ سيادة الداعشي التائب! دبابيس من حبر25! ظريف ..زيارة وأهداف واضحة سفهاء بغداد والرصاص العشوائي المنظومة الاعلامية تحت هيمنة الرأسمالية بعثي يطلب صداقتي !

صنع في اليمن (13)

صنع في اليمن (13)

صحافة شباب جيل الوحدة الفكرية - بقلم الكاتب والمفكر الاسلامي الكبير الاستاذ زيد بن علي الوز         
الاثنين ( 28-01-2019 ) الساعة ( 12:05:32 صباحاً ) بتوقيت مكة المكرمة

مع البردوني

ذكرت في حديثي عن "موت أختي" أني لما أودعتها ثرى "مقبرة الصديقة" في "الحديدة" كتبت لأخي قاسم بالخبر المهلك، فذهب وأستاذنا "البردوني" إلى أخي "أحمد" في سجنه ليريا ما عنده فلقيهما في الطريق ابنه "الحسين" ومعه رسالة منه إليه يعزيه فيها، فتأكد عندئذ الخبر، ثم مرا على الخال "حمود أبوراس" ليتولى هو إبلاغ أمي بالخبر الفاجع، وأن والدتي عرفت من ملامح الثلاثة بالخبر قبل ان ينطق خالي بكلمة واجدة فبكت -وهي عصية الدمع- فضمها أخوها إلى صدره، وبكى الجميع، وعندما عدت "الحديدة" لقيني أخواي "قاسم" و"محمد" وأستاذنا "البردوني"، فهطلت- بين العناق واستظهار الصبر والرجولة- دموعنا وكانت أمي وأختي غائبتين عن البيت، كنت في حالة نفسية ليس حزنا لفراق أختي فقط، وإنما اشفاقا من أثر عودتي وحيدا بدونها، وها أنا قد عدت وحدي مخلفاه جسدها الطاهر في مقبرة "الصديق" على أرض بعيدة. وقعدنا ننتظر حتى آبت قبيل الغروب فارتميت على أقدامها مسلما محاولا التظاهر بالرجولة أمامها والاعتصام بالصبر في حين كان كل شيء ينوح في داخلي، كان وجهها حزينا ولكنها تحاول ان تخفيه وراء تصبر رائع فأخذتني بين أحضانها وهي تشجعني على الصبر، وكأني أنا الذي بحاجة إليه، ولم تدمع لها عين آنذاك، وإنما كانت مثال التجلد المذهل، مع علمي أن كل عضو فيها ينوح، ثم سلمت على أختي فكانت أيضا صابرة محتسبة.

(2)

كانت معرفتنا بالأستاذ الثائر الشاعر "عبد الله البردوني" خلال بقاء أخي «عباس» في المستشفى للعلاج من "سجن قاهرة حجة" للمرة الأولى الى سجن القلعة ومنه الى المستشفى, ذلك أنه لما القي القبض عليه مع رفيقه ابن عمه احمد وخالنا عبد الله في "معبر" وسيقوا الى "صنعاء" وطافوا بهم في الشوارع تحت الحصْب والبصق والشتائم فيما يسمى بـ "الدرداح"، وفي احداهن أصيب بضربة قوية من بطان بندق عسكري غاضب ظل يعاني منها طيلة السجن في قاهرة حجة حتى سمح بنقله الى المستشفى للعلاج وهناك تعرف على شاب ضرير يتفجر مقاومة وحماسة، وتنبئ تطلعاته ومحاولاته الذهنية عن مستقبل أدبي حافل. وهناك تعرفا على بعض وجمع بينهما الكره للنظام المتوكلي وكان "البردوني" قد اعتقل في «ذمار» لهجوه عاملها وتعريضه بالوضع. كان كفيفا مستطيعا بغيره كما يقول المعري، وكان "كالمعري" شاعرا نابغا، ومناضلا.

وفي ظل ظروف حزينة مثل تلك الظروف كان الشعور بالغربة الداخلية يبعث على التضامن والتوحد بين الشجيين خاصة إذا ضمهما توجه واحد. وكان شاعرنا متحديا صامدا، وملء نفسه حزن وشجن، والشجن يبعث الشجن. وكان البردوني يشجينا بأبياته وقصائده، وعند ما سمعناه يتغنى حزينا:

وطويت دائي في دمي وكأنني في كل جارحة طويت جريحا

أحسسنا صوت الشجن ينوح في أعماقنا، وتبكي به محاجرنا، وتئن به أكبادنا. والتفت الجراح وتجاوبت الأحزان، وكما قال المعري الكحيم:

إنما الدنيا شجون تلتقي وحزين يتأسى بحزين

أو كما قال شوقي

إن المصائب يجمعن المصابينا

وهكذا انعقدت بيننا وبينه صداقة حميمة للغاية، إلى درجة الانصهار الصوفي. وطلب منه أخي "عباس" ان ينتقل من المستشفى إلى حيث نقيم فرحب بها ورحب به كل اهل البيت، فعاش بينا واحد منا نتقاسم سراء الحياة وضراءها معا. وكان بينه وبين أخي «قاسم» بالذات مودة روحية خالصة. وكان الأستاذ «البردوني» ممتلئاً حماسةً ونشاطاً ونضالا.

ذات يوم كالح من أيام أواخر عام 1369/ اغسطس1950 تفجرت شائعة تتحدث عن وفاة أخي "عبد الله" غريبا شهيدا، ثم تلقينا تأكيد الخبر عبر رسول وصل من الأخ «حسين بن محمد عثمان» ومعه رسالة منه تعزينا في وفاة الشهيد الكبير وأرسل معها «جريدة الفضول» التي نقلت خبر وفاته في قرية "مرج" على بعد 100ميل من «بومباي» تلقينا ذلك الخبر قبل "عيد عرفة" بأيام فكان عيدا حزينا آخر، ونصلا تكسر على نصال، ونارا انصبت على نيران.

وشاركنا في أحزاننا هذه بلوعة صادقة أستاذنا الشاعر «عبد الله البردوني» فرثى الأخ الشهيد بقصيدة لم أعد أحفظ منها إلاَّ هذا البيت:

حال لون الفضاء والتفت الد هر حزينا يعزي الإسلاما

واصل ثلاثتنا "قاسم" و "البردوني" وانا الاتصال بمن نعرفهم من الإخوان. وعلى يد استاذنا "البردوني" درسنا، ومعه عشنا معا في نكد دائم، وضيق معيشة وسوء حال، ومع حبي الشديد وبسبب رعونة العمر كنت بين الحين أفرغ توتري في إيلام استاذي "البردوني" فكنت أسوقه بلؤم إلى بعض الحفر الصغيرة وعلى بعض الأماكن التي تحتوي على ضحضاح ماء فتغوث قدمه في الوحل فيغضب غاية الغضب مني، فاعتذر له فيقبل، وأكرر فيقبل كان متسامحا كريما، وكنت شيطانا مؤذيا، وما زلت اتذكر تلك الفترة فألوم نفسي كل اللوم على ذلك العمل المزري، مع انني كنب أحبه حب اخوتي، ولو كان واحدا منهم كفيفا لكنت فعلت معهم نفس ما فعلت معه.

وعلى العكس كان علاقة أخي "قاسم" به علاقة حنان خالص، كان به شفيقا حنونا، لا يكادان يفترقان وكانا المسؤولين عن تموين البيت وشراء المحتاجات القلية، فكانا يلتحفان "لحفة" لشدة الفقر عندما يخرجان معا فيسدلان طرفا منها في جانب واحد منهما ويسدلان الطرف الأحر على جانب الثاني فيتدلى من الكتفين فيبدوان وكأن لكل واحد لحفة خاصة الخاص. وكان أخواي "عباس" و "إبراهيم" يكنان له التقدير الكبير والمودة الأكيدة وكانت والدتي تعتبره سابعنا تماما، وكان هو حقيقة يعتبرها امه وطل كذلك حتى بعد أن استقل وتزوج وكانت له ولزوجته الأولى الأم الحانية والساعية بالخير كلما شجر خلاف بين الزوجين وكانت زوجه هي الأخر تعتبر "ابنة ابوراس" أمها.

وذات يوم غاب عنا استاذنا الكريم "عبد الله البردوني" فاستوحشنا لفراقه، لكنه في اليوم التالي عاد، وعليه ثياب جديدة بيضاء نظيفة مطواة، ويفوح منه عطر قوي، وأخبرنا أنه لقي السيف "علي" في "البونية" وأنه أخذه معه إلى بيته فقضا يومه هناك، وأنه كساه ونصحه بأن ينتقل إلى "المدرسة العلمية" ليدرس ويدرس، وسيأمر له بصرف. خونا جميعا لهذا الفراق المرتقب، ولشدة حزني شممت في عطره رائحة غير جميلة لست أدري لماذا، أهو رائحة الخوف ان يغادرنا "البردوني" وينضم إلى الحكام؟ ولست وحدي من شعر بحرقة فراقه يل شعر "أهل البيت بألم بليغ على فراقه فعلا، ولكنه رحمه الله لم يتركنا، كان يتردد علينا ويدرسنا ويأتي كل يوم من "المدرسة العلمية" أحيانا لوحده، وكان له حاسة عظيمة بحيث أنه يمكن بعد عدة مرات أن يعرف الطريق لنفسه.

وبقينا معه على هذا الحال لا يغيب عنا إلى أن أرسلنا إلى "قاهرة حجة" وبقينا بها سنوات، وهاجم المرض والدتنا وعادها الدكتور الإنساني الكبير «فينروني» فرأى أنها بحاجة إلى عناية كبيرة، وإلى من يقف بجانبها وتطوع من نفسه وقد هالته حالتها فأبرق للإمام بخطورة، فما كان من الإمام-وقد اشفق عليه "النصراني"- إلاَّ أن أمر إلى نائب حجة «عبد الملك بن عبد الملك المتوكل" بنقلي إلى "سجن القلعة" بـ "صنعاء" لأكون بالقرب منها .

ووقفت حائرا اتقلب بين أمرين أخلاهما مر، وكانت فترة من أصعب أيام حياتي على الإطلاق؛ فهناك أمٌ تعاني المرض، وليس لها ولد يخدمها، وهنا أخ سأتركه منفردا، وخفف من قسوة هذا الموقف وجود الأخ «أحمد بن مُحمد الوزير» في غرفة مجاورة له حففت حزن الفراق ووقدة الألم، كما خفف عنى الأسى أني سأذهب لرعاية أم مجاهدة ومريضة. ثم بعد كل شيء لقد فرض اختيار الإمام نفسه، وهكذا في 18 جمادى الأخرة74/12 يناير 55 غادرت «بيت المؤيد» بقلب مكلوم.

لما خرجت من البيت شاهدت الأرض تحت معقم البيت بعيدة وأحسست بحرارة الشمس تغمر عيني فغشيتني دوخة خفيفة لحبسي في غرفة لا تواجه الشمس الا لماما فترة طويلة. عرجت على بيت النائب لوداعه فاستقبلني ببشاش واستأذنته أن يسمح لي بزيارة العم «محمد بن أحمد الوزير» فوافق، وعندما خرجت من منزله زودني بكمية كافية من الخبز والسبايا «رشاد الطريق» فصعدت إلى "قاهرة حجة" لوداع العم لكني لم أتمكن من وداع بقية الأخوة، إذ منعهم الحراس من مغادرة غرفهم ساعة وصولي إلى حين خروجي، ولكن رأيت الصديق الصدوق "محمد حسن غالب" عليه الرحمة والرضوان واقفا في سطح المنزل يلوح لي بيديه مودعا، ولما هبطت من "قاهرة حجة" ورفعت إليها بصري، رأيته مازال واقفا يودعني بنظراته الحنونة حتى غيبتي الطريق.

وبينما أخذنا استراحة في "وادي شرس" وكان يوم سوق تجتمع فيه فئات كثيرة من الناس، عنَّ لي أن أسرب أخبار الخلاف بين "الحسن" و "البدر" وأبشر تلميحا بقرب التغيير، فتصدى لي أحد الجنود المسافرين ونفى أي خلاف وأن الضجة كلها من صنع أعداء (مولانا أمير المؤمنين) الأشقياء، فقلت لنفسي الصمت أولى، والوصول إلى «صنعاء» أجدى، وأفضل من الرجوع إلى «حجة»، وأحرم من رؤيتها وخدمتها، والتأني خير من التسرع، ويا نفس اهدئي بي حتى أرى والدتي على الأقل.

وبينما كنت أستريح تحت ظل شجرة باسقة في جبل "حكلان" الشاهق استروح نسيما عابرا تذكرت اخي "قاسم" الذي تركته في "السجن" فتشجيت وحزنت، والأسى يبعث الأسى، ثم ذكرت والدتي ومرضها، وأني لم أتركه الا من اجلها، فدعوت له وبعثت له مع هذا النسيم العابر كلما يكنه القلب من محبة له.

قبيل الوصول إلى مدينة "كحلان" التقينا بشاب كريم عليه سيما الوقار والملبس النظيف، لم أعد اتذكر اسمه ولكني لم انس صورتهـ فاصر علي وعلى حارسي على ان ننزل عنده أفضل من "المقهاية" وحبانا بعطف زائد واكرمنا ليلتنا تلك فجراه الله عني خيرا، وكم ـأنا جزين لنسيان اسمه، مع أنه من المفروض أنني لم أنس اسم رجل تكرم فانزلني بيته وعطف علي من "كتن المقهاية" وغمرني به من حنان في ظل وضع كان الناس ينفرون منا ويهربون ولكن فليعذر ذلك النبيل ذاكرة تجاوزت الثلاث والثمانين عاما، ولا املك إلا ان ادعو له دعاء معترف بفضلة، وأن ابعث له بعد هذه السنين الطوال تحيات معترف بنبله.

في اليوم الثالث وصلت مع حارسي "صنعاء" ولحسن الحظ بعد أن أغلق «سجن القلعة» أبوابه فسمح الحارس بأن نعرج على منزل الوالدة فننام فيه الى الصباح، فدخلت البيت وسلمت عليها بخشوع صوفي في محراب يفوح بروحانية عميقة. وجدتها شاحبة اللون ضعيفة ولكني كما عهدتها قوية الإرادة مرتفعة المعنويات. وفي الصباح زارني الأخ «أحمد بن محمد الوزير» وتمكنا من إقناع المرافق «سعد» ان يؤجل صعودنا إلى «القلعة» إلى بعد الظهر بينما يذهب الأخ «أحمد»- الذي كان قد سمح للمعتقلين من «بني الوزير» بالتردد يوميا في الصباح مع الحرس- ليراجع السيف "الحسن" بنقلي إلى حبس «دار القصر» حيث الأخوة «بني الوزير» لأن "التصدور" من حجة يحدد الوصول إلى "سجن القلعة" فوافق الحارس على وجل، وذهب الأخ المرحوم "أحمد" يراجع من مكان إلى مكان بينما استقبلت الأخوة «بني الوزير» الذي جاءوا لزيارتي. تلاف

وأول ما عملته أن بعثت ابن أخي: "عبد الله عباس" إلى "المدرسة العلمية" ليخبر الأستاذ «عبد الله البردوني" بوصولي فأسرع إليّ والفرحة تسبق خطاه. ولن انس وقفته على باب الغرفة، وهو يرتعش من الفرح، ويتهلل وجهه بالبهجة. وكان عناقا طويلا وحديثا طويلا. وطلبت منه أن يجمع أكبر قدر من الكتب التي كنا نحلم بقراءتها في "السجن" لأرسلها إلى أخي "قاسم" فجمع كثيرا من الكتب أمكن إرسالها مع المرافق على الحمار الذي جئت عليه. وبعد أسبوع واحد تلقيت من أخي "قاسم" قصيدة رائعة فياضة المشاعر بديعة التصوير يتحدث فيها عن ساعة الفراق ويقول:

تلفت لا يدري وقد غاب وعيه أصهباء يحسو أم لهيب يعاقره

أأفرح؟ أم أبكي الفراق؟ فإنني تلقيت ما قد كنت عمري أحاذره

ثم يقول في آخرها:

هنيئا هنيئا طر وحلِّق مرفرفا بلا وجل قد أطلق الطير آسره

وزر كل روض فيه من ذكرياتنا تجد كل روض هبَّ يلقاك زاهره

وقد اشجتني وأحزنني لبقائه في سجنه البعيد، ليس له رفيق إلا واحد، بينما أنا بين رفقاء سجن كثيرين القصيدة طويلة جدا من أجمل اشعاره الرائعة، واتذكر أن أستاذنا "البردوني" قد رد عليها بقصيدة طويلة أيضا لم أذكر منها شيء للأسف الشديد

ثم تفرقت بنا المطارح، وغبنا عن "اليمن" فترات، وكنا كلما عدنا نلتقي بأستاذنا ونتزاور ورباط الود القديم الثابت لا يريم وكان في إحدى فترات الغياب قد تزوج فسعد، لكن الله استأثر بمن أحب، فحزن ثم تزوج مرة اخرى وسعد أيضا بها، وفي هذه الفترة ركز على أبحاثه وأشعاره، فكان رائع الشعر والبيان لكن ابحاثه شابها الضعف والارتجال، في حين أغنى المكتبة الشعرية بدواوينه الرائعة.

لم ينقطع تواصلنا في حال تواجدنا، فكنا نتبادل الزيارات بين الحين والأخر وقد زارني مرة وعرفني بالشاعر الحميني الكبير "أحمد الحضراني" الذي أصبح بلبل مجالسنا "القاتية"، بأشعاره الاجتماعية الناقدة.

ومضت حياتنا على هذا الوتر الجميل، ولكني لم أعرف ما خلف صمته عن رثاء والدتي رحمها الله مع أنه حضر عزائها كله، لكنه لم يكتب كلمة لا شعرا ولا نثرا، مع كان يحبها كل الحب، وكذلك عندما توفى اخي "عباس" وكان أيضا يحبه كل الحب، فهو لم يقصر يوما عن حضور مجالس عزاءه، ولكنه لم يكتب عنه كلمة واحدة لا شعرا ولا نثرا بالرغم من طول الصحبة وصادق الوداد.

لعل الحزن ألجم قلمه.

لعل له عذرا وأنت تعاتب.

ونور الله ضريحه

صفحة الكاتب


عدد القراءات: 75


اضف تعليقك على الفيس بوك