آخر الأخبار :
رمضاء أمريكا ونار إيران بين الحظر وديكتاتورية الرأي فلسطينُ ضحيةُ الحربِ العالميةِ الأولى الأصولية الشيطانية الغربية لتطويع الدول (صنع في اليمن) (12) حوارات على سرير السلطة حصر السلاح بيدهم ! منابر الجمعة والابتعاد عن قضايا الوطن والمواطن مناصب الوكالة.. إحتيال على القانون بالقانون الميلودي المخارق يفتتح أشغال المؤتمر الثالث عشر للاتحاد الجهوي لنقابات الرباط سلا تمارة

صنع في اليمن (11)

صنع في اليمن (11)

صحافة شباب جيل الوحدة الفكرية - بقلم الكاتب والمفكر الاسلامي الكبير الاستاذ زيد بن علي الوز         
الجمعة ( 09-11-2018 ) الساعة ( 10:44:12 مساءً ) بتوقيت مكة المكرمة

الجناحان
أكملت "المقاومة" الصغيرة دورتها الأولى في "الهجرة" وما حواليها، على أمل أنها ستتوسع من تلقاء نفسها، بفضل العاملين فيها، ومن ثم تطلب العمل خارجها، ولهذا الغرض ذهب "إبراهيم" سرا إلى "صنعاء" ليفتش عن فضاء أخر، حاملا معه مذخور المقاومة الثوري، ليطل به على فئة تنبض بالمقاومة، و كان من عادته أن يتردد على الكتبي الفاضل النبيل الحاج «عبد الله عتيق» أمد الله بعمره لشراء كتب، أو بيع ما بقي معنا في العروق بعد «النهب» لكي نواجهة بها عسر الحياة، وكان بجانبه دكان آخر لشاب وضيء القسمات ضاحك العينين قوي الإرادة، عرف أنه «محمد الواسعي» فانجذب إليه بحكم ما يكنه من إعجاب خاص بوالده منذ أيام الدراسة بـ «المدرسة العلمية» فتألفا وتكاشفا، وإذا به يكتشف أن عند الأخ «محمد الواسعي» تكوين ثوري خاص به، فتألفا وتعاملا يد بيد. 
كان الأخ «محمد الواسعي» قد أنشأ مجموعة من "شباب الدستور" وممن نجي من السجن من طلبة «الكلية الحربية» التي ما تزال تعبق بأريج الرئيس الشهيد «جمال جميل» وليست لدي فكرة واضحة عن أوائل أعماله، ومتى وكيف كون تنظيمهم، لكن من المرجح أنه بدءا في وقت مبكر، الأمر الذي يبؤهم دور الريادة الأولى أيضا، ولعل التنظيم بدأ قبل استشهاد الرئيس "جمال" لأن الأخ "محمد الواسعي" نفسه يذكر في رسالة له إلى المشير "السلال" أنه و«إبراهيم» كافحنا وجاهدنا في سنة 68 و 69 بالمنشورات الخ وهذا يعني أنهما اتصلا ببعض قبل استشهاد الرئيس، وعلى كل حال فليس لدي الآن ما أجزم به، إلا أن "محمد الواسعي" كان قبل أن يلتقي بإبراهيم قد طون تنظيما من أجل استئناف العمل للدستور. 
ومن خلال "الواسعي" بدأ «إبراهيم» يتعرف على بعض هؤلاء الشباب، وحدثني الأخ العقيد المجاهد الصابر المرحوم «احمد الجرموزي» -مساعد معلم الجيش الدفاعي أيام الإمام - قال: (اجتمع بي الأخ «محمد الواسعي» وقال لي أنه على صلة بالأخ «إبراهيم بن علي الوزير» وأنه- أي «إبراهيم»- يريد اللقاء بشخصية عسكرية مرموقة ذات دور وطني. قال فدليته عليك. ثم وصل الأخ «إبراهيم» إلى بيتي فتعارفنا ونسقنا أعمالنا). 
كما تم اللقاء بالأخوان «طه مصطفى» و«عبد الكريم الغسالي» و«احمد الوريث» و «احمد الحافي» و«أحمد أبو طالب» وغيرهم. وأخبرني العميد المجاهد «أحمد الجرموزي» أنه ضم إلى صفوف هذه المجموعة المقدم «محمد الأكوع»- الذي أصبح وزيرا للداخلية في العهد الجمهوري- والنقيب«أحمد رزق عبده» وغيرهم. 
وكان أخي "إبراهيم" يغتنم وجوده عندما يدخل اليها سرا او بأذن في "صنعاء" فيزور بعض العلماء ويحاورهم ويحملهم المسئولية في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الجهر بالقول على المظالم. وكان ممن زاره من العلماء "عبد الرحمن الشامي" و" محمد المنصور" و "حمود المؤيد" وكان يخرج إلى ضواحي العاصمة ليلتقي بالعلامة الزاهد "عبد الله المؤيد" الذي أخبرني بنفسه أن الأخ إبراهيم وصل إليه على بغلة الوالد "عبد الرحمن الشامي" التي استعارها منه، وأنه حدثه عن ضرورة الجهاد والقيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأنه وافقه على ذلك، ولكن أين النصير والمناصر، يابراهيم، وبينما كانا يتحدثان انفلتت البغلة هاربة فانطلقا بعدها يفتشان عليها حتى عثرا عليها بعد جهد شاق، وعاد بها إبراهيم إلى صاحبها، بدون نتيجة حاسمة من هذا العالم الكبير الزاهد.
وفي إحدى هذه الزيارات تعرف على الصديق الحميم الوفي الحاج المؤمن المرحوم "عبد الله المحفدي" الذي كان يستضيفنا في بيته ويتعاطف معنا ومع القضية، ومازالت صلتنا به في غاية المودة إلى أن انتقل إلى رحاب الله. والحاج "عبد الله رجل علم منصرف بكليته إلى الدراسة والمطالعة، وليس له هموم سياسية، ولكنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ما استطاع إلى ذلك سبيلا. 
مضت المقاومة -التي أصبحت مع مقاومة صنعاء تشكل جهازا واحدا- تشق طريقها بصعوبة بالغة وسط محيط قاتم. وبواسطة المجاهد «محمد الواسعي» -الذي كان يتردد على «عدن» للتجارة- تم الاتصال بالشيخ «عبد الله على الحكيمي» إلى «كرديف» عن طريق «عدن». وكان المرحوم «الحكيمي» قد أصدر من «كرديف» جريدة «السلام» 5 صفر 1368/ 6 ديسمبر 1948 بينما أصدر المرحوم «عبد الله عبد الوهاب نعمان» في «عدن» جريدة «الفضول» في نفس الشهر، أي 14 صفر 1368/15ديسمبر1948 
ولتسهيل وصول الجريتين و توريد المنشورات والنشرات، أقام مركز "الواسعي" في «البيضاء» لاستقبال «جريدة السلام» و«الفضول» ومن ثم توزيعها في الداخل، وبهذه الطريقة وبفضل الأخ « الواسعي» أمكن تنظيم الاتصال بـ«عدن» باستمرار، ومن ثم أمكن تبادل الآراء والتخطيطات.
أول تنظيم بعد الثورة
وفي إحدى رسائل الأخ «حسين عثمان الوزير»-من ملجئه في يافع- إلى أخي «إبراهيم» اقترحَ أن يكون للحركة اسم لتأخذ وضعا سياسيا أفضل. وأستشار الأخ «إبراهيم» الأخ العميد المجاهد «أحمد الجرموزي» في التسمية فاقترح اسم «عصبة الحق والعدالة» وبعد مداولات مع الأخوان الآخرين أُقِّر هذا الاقتراح فكانت «عصبة الحق والعدالة» هي الإطار الذي نشطت فيه هذه المجموعة لفترة طويلة نشاطا بدأ يتضح ويتوضح. 
من بيت الشوكاني توسعت المقاومة
وبين المخاوف والترقب سقطت زوجة الأخ "يحيى بن محمد" مريضة، وبعد محاولات غير ناجحة إضطر للدخول إلى "صنعاء" باذن من العامل فاستأجر بيتا متواضعا وعاش عيشة عسيرة يكافح المرض ويجالد الفقر في عزة وشمم وصبر قل له المثيل، حيث لم يفقد أخلاقه ولا كرمه ولا حتى إبتسامته. وسخر الله له الدكتور الماجد «فينروني» جزاه الله خير الجزاء وأثابه، فاهتم بزوجته وكان يزورها في اليوم مرتين وكان يعطيهم العلاج أحيانا منه بدون مقابل، وإلى هذا المنزل كنا نأوي إليه عند دخولنا "صنعاء"، وتحول هذا المنزل أيضا إلى مكان لقاءات وإعداد للثورة، وامتدت اتصالات الأخوين "ابراهيم" و "يحيى" إلى داخل سجني «القلعة» و«الرادع». 
المهاجر الفقير
وفي هذا العام نفسه أي عام 1369/ دخلتُ "صنعاء" مهاجرا لطلب العلم، فنزلت عند أخي يحيى" وبدأت أتلقى دروسا خاصة في الدين والنحو على يد العلامة "حمود المؤيد" في "مسجد النهرين" وفي بيته فاتناول معه فطور الزاهد، وصدق المثل: "عاري جلس فوق مخلوس" فما كنت أعاني منه من جوع مع ابن عمي "يحيى" وزوجه المريضة ومرافقتها اذا بي اجد في بيت الزهد العظيم زهدا اختياريا لايفترق عن الزهد المفروض علينا والذي صح في زهدي قول الفيلسوف المعرى: 
ولم ازهد عن اللذات الا لأن خيارها عني خنسنه
وكان ابن العم فقيرا وكمت مثله، وعلى شاكلته عانيت من الجوع أشده حتى كدت يوما أن اسرق "تينا" من "مقشامة مسجد النهرين". ففي ذات يوم وقت صلاة الظهر احسست بجوع لم أحس به من قبل ولا من بعد، وكنت في انتظار صلاة الظهر أتطلع الى أشجار "المقشامة" المثمرة واللصيقىة بالمسجد، فلمحت تينة شابة ممتلئة حياة واعراءا تجذبتني اليها وتدعوني بلهفة لأقتطفها، كنت أرى خضرتها الضاربة الى السواد في شكل زمردة، تتلألأ امام عيني، لم اعد أرى فيها الا اغرائها القوي لي وتسجخني بسرقتها وكنت اهم بعطفها واردد قول بشار:
من راقب الناس مات هما وفاز باللذة الجسور
اقدم أيها الجائع ولا تحجم، هاهي تتمايل في غصنها بفعل نسيم عابر، او طير حط على احد فروعها فهزها لاتخف، وبقيت بين مد وجزر، مرة اقدم ومرة احجم، اصغي الى عويل الجوع فاتقدم، و إلى صراخ خوفي فأحجم، اقترب من الشجرة واحاول مذ يدي لأجني من التين مايسد رمقي فيقيد الخوف من القشام ومن الفضيحة خطاي ويداي، ماذا لو رأني القشام وانا بالجرم المشهود. سيجمع علي الناس، سيتهمونني بالسرقة كما اتهموننا بأبناء البغاة، لن يشفقوا علي كما لم يشفقوا علي مانزل بنا ظلم وفقر. رباه ماذا افعل؟ وأخيرا وبعد صراع مرير تغلب الخوف فخرجت مطويا على جوع ، وبجهد شديد وصلت الى بيت ابن عمي لاجد كسرة "قفوعة" بابسة من بقيا عشاء الأمس وصبوح اليوم فأكلتها على ماء قراح. وتمر الأيام ولم اسعد باكلة طيبة الا عندما كان يأتي أخي "إبراهيم" من "السر" ومعه بقش معدودات، فكان يشتري بأربع بقش "يورتا" و "كدمة" زنذهب الى صوح مسجد في سوق النهرين فنقعد ونتاول ذلك بشهية من يأكل السبايا بالعسل. 
مع حر في سجنه
ومن الجوع والدراسة التقليدية غمرني شعاع من علم جديد فما زلت اذكر بوضوح أني ذهبت مع الأحوين إبراهيم ويحيى لزيارة الأخ المرحوم الشهيد «محمد الصباحي» في «سجن الرادع» ؛ فخرج إلينا، يجر القيد في قدميه، وعلى فمه ابتسامة مشرقة فتحدثا معه ، وما أزال أذكر وجهه السمح وهو يوجه حديثه إلي متسائلا: هل أنت وطني ؟ تملكتني الحيرة؛ لم اأعرف كيف أردُّ ؟ وما معنى وطني؟ واضح أنه لا يسأل عن مسقط رأسي بكل تأكيد، ولكن ما معنى هذه الكلمة؟. لو يجيب أحد الأخوة عني فيريحاني من مخاطر الجواب، ولكن أحدا لم يرد، فحزمت أمري وأجبت بالإيجاب، فسعد بالجواب. وقبل أن نودعه أهداني كتيبا اسمه «التربية الوطنية» أخذته مزهوا به، وتفاخرت به أمام زملائي عندما رجعت. وبقي الأخ «محمد الصباحي» صديقا عزيزا برا كريما حتى استشهد في «أرحب» فجر قيام الجمهورية.
يتبع


عدد القراءات: 82


اضف تعليقك على الفيس بوك