آخر الأخبار :
كلاب المقاومة في مواجهة كلاب الاحتلال قبةُ راحيل قدسيةُ المقامِ وعدوانيةُ الاحتلالِ انتخاب الاتحاد المغربي للشغل على رأس الأجهزة التقريرية للاتحاد الدولي للنقل " ITF " في العالم العربي روزي توج الفائزين بحضور عريف صُم جدة بطلاً لكأس الدورة التنشيطية مؤتـمـر اسطـنبول و تدمـيـر منـظـمة التحـرير ..!! حول مؤتمر الشتات الفلسطيني **جماعة تلوات إلى أين؟؟ ** يا حكومة السوء, أين ذهب النفط الأبيض؟ أغتيال موظف نزيه تلعفر: متى موعد التحرير؟

ذكري الاستقلال .. بين ثقافة الهزيمة .. وفرضية الانتصار .. قرأة تحليلية لإسقاطات الهزيمة بإنتلجنسيا المنفي

ذكري الاستقلال .. بين ثقافة الهزيمة .. وفرضية الانتصار .. قرأة تحليلية لإسقاطات الهزيمة بإنتلجنسيا المنفي

صحافة شباب جيل الوحدة الفكرية - د. محمد المصطفى يوسف         
الاحد ( 01-01-2017 ) الساعة ( 3:39:34 مساءً ) بتوقيت مكة المكرمة

تيار الهزيمة بإنتلجنسيا  المنافي .. تعبير يمكن أن يُعمم ليحتوي بين دفتيه أشتات متباينة من سودانيي الضيم الذين أجبرهم نير نظام الانقاذ وعسفه علي الهجرة الجماعية من ارض الوطن و اختيار الاصقاع البعيدة كملاذ آمن او اوطان بديلة ولو الي حين . وقد أزعم صادقا ان بروز الانترنت كوسيلة اتصالات أساسية في اوخر التسعينات ..قد أسهم  إسهاماً فعالاً في تشكيل ملامح الوعي المعرفي لتلك المجموعات ..  ذلك التشكل  الذي مر بمراحل مخاض كثيرة .. تلاقحت  فيها رؤي وافكار متعددة نمت في تربة خصبة من الاحباط حتي صارت ذات الأفكار موروثاً فكرياً وثقافياً تتوارثه الأجيال المتعاقبة التي نشأت في المنفي التي أضحت تعرف اصطلاحاً في ادبيات علم الاجتماع الحديث بإسم ال Diaspora.

وغني عن القول أن ذكري الاستقلال صارت عند جل تلك الانتلجنسيا مدعاة للانتحاب بحرقة علي حائط التاريخ .. ومهرجاناً للتباري في إظهار الحسرة والندم علي خروج المستعمر البريطاني الذي استعجل السودانيون وتجنوا علي أنفسهم حينما أرادوا ان يجعلوا لهم وطناً بين الامم . ثم تتعالي الأصوات هنا وهناك عن  عدالة المستعمر وسماحته التي حملته علي ان يشيد صروحاً ومؤسسات عملاقة كجامعة الخرطوم ومشروع الجزيرة و لن تنتهي القائمة الطويلة ما لم تشمل الترماج  وضباط الصحة الذين اتي بهم المفتش برمبل وانتهاءً بالفندق الكبير وشارع النيل  الذي سيتحسر الكثيرون علي شجر اللبخ الذي اتي به الانجليز من الهند ليزين ويظلل جنباته .. بينما  اعتدت عليه الحكومات الوطنية بجورها فاعملت فيه الفأس كما اعملته في ذلك الوطن الممزق الأشلاء  فمزقه إربا ! .. هكذا  تندفع مشاعر متباينة يتم إستدرارها  من مكامنها إستدراراً سنوياً  منظماً علي وقع  ذلك اللحن الحزين الذي سيعُزف مع مطلع كل عام بسلمه الموسيقي الذي يلامس شغاف القلوب  كما الناي الباكي وعذابات المغني التي تجأر بالشكوي من سوء المآل اليوم بعد ٦١ عاماً من ارتفاع علم التحرير علي سارية الوطن .

حسناً .. لعل ٢٧ سنة من استمرار نظام الانقاذ جاثماً علي صدور السودانيين قد ولدت تلك الحالة الوجدانية السالبة لدي البعض من انتلجنسيا المنافي والتي تعبر في مجملها عن روح انكسار معنوي قاتل تولد  نتيجة سنوات طوال من الترقب والانتظار لزوال ذلك الكابوس الذي ألم بالوطن في فجر ٣٠ يونيو ١٩٨٩  .. وهي حالة نفسية يمكن تفهم طبيعة الظروف التاريخية والموضوعية التي أسهمت في التأسيس لها والتصالح مع دوافعها .. ولكن بالمقابل الموضوعي يظل استمرار تلك الحالة مناقضاً لإعمال العقل والفكر كوسيلة للتحليل المادي لحقائق الأشياء بعيداً عن  القراءة الوردية  لوقائع التاريخ . لعل الكثير من هؤلاء لا يذكر ان المستعمر الانجليزي لم يكن بذلك المستوي الحالم من العدالة التي يتوهمونها.. بدء من دوافعه حينما تقادمت جيوشه لاحتلال السودان في ١٨٩٨  و فقد  كانت صحف  التايمز تكتب باستمرار عن ضرورة الانتقام لغردون  وستيوارت وهكس .. فكيف يأتيك بعدالة من كان دافعه الانتقام ؟  ثم يتناسون ان كتشنر قائد جيش الاستعمار نفسه قد جابهه الانجليز اهل العدالة المزعومة بتهم الإبادة الجماعية للسودانيين حينما  لقبه اللورد ريتشار ريدموند في مداولات مجلس العموم البريطاني ..  بجزار امدرمان Butcher of Omdurman .. كما تحدث المراسل الحربي   في كرري ورئيس بريطانيا لاحقا ونستون تشرتشل  عن تلك الاحداث في كتابه  ” تشرتشيل والعالم الاسلامي ”  قائلا ..  ” لقد تلطخ انتصارنا علي السودانيين في ام درمان بعار المذابح اللإنسانية التي ارتكبها جنودنا في أسراهم  ”   تلك المذابح التي علق عليها كتشنر بلا مبالاة وتستهين ايما استهانة بإنسانية الانسان ..   حين قال :  ”  ! What a waste of ammunition  ” .. مما حمل الكثيرين  علي الجهر بحقيقة التكلفة الانسانية الباهظة التي دفعها الشعب البريطاني  نظير الانتقام لغردون والتي فاقت ال ٣٥٠ الف نفس بشرية سودانية وهو رقم يقارب ذلك  الرقم الذي  ازهقه نظام الانقاذ من اروح السودانيين في دارفور المنكوبة اليوم  !

إن الذاكرة الجماعية للسودانيين  تضج بمخزون قصصي متوارث حافل  بانتهاكات بالغة  لحقوق  إنسان السودان يندي  لها  جبين الانسانية  ..  قام بها البريطانيون  في السودان فكان الإعدام والتصفية الجسدية  مصير كل من سولت له نفسه تقمص حالة من الحرية بعيدا عن حكمهم  .. وقد قامت السلطات الاستعمارية بإخضاع السودانيين بقوة السلاح .. فكانت مجزرة  الشكابة في ١٨٩٩  التي اشعلتها قوات المستر سميث  مفتش سنار البريطاني  وجنوده   والتي انتهت برمي الضحايا بالرصاص و اثقال جثثهم بالحجارة  وإغراقها  بالنيل الأزرق حتي لا يعثر لهم علي قبر .. وفي تلك المجزرة جُرح  طفل كان في الثانية عشر من عمره  بكتفه  ونزف الي  ان شارف  علي  الموت  حتي حملته والدته -و هو يري  مصرع اخوته أمامه-  الي الجند البريطانيين مطالبة إياهم بان يلحقوه بإخوته في النهر الذ قُذفت به جثامينهم .. وقبع طفلٌ اخر بتسمرٍ عاجز  يري “سميث ” وهو يرمي بجثة ابيه الخليفة  محمد شريف  الي النيل الأزرق هو يردد في ثبات ” انا للموت صابرون ” .  تلك المجزرة التي اخرجت من  رحم أهوالها رائد الصحافة السودانية الاستاذ حسين شريف والذي أخطأه رصاص البريطانيين علي غير عمد بمثل ما أخطأ خاله السيد عبدالرحمن المهدي  الذي نجا- كما سبق الوصف –  بأعجوبة من رصاصهم بعد أن  تزين  كتفه الأيمن بندبات جرح غائر .. ليبلغ الفتيان مبالغ الرجال ويصدعا  بشعار السودان للسودانيين قبل ما يقارب الثلاثين عاماً من تحقق الاستقلال .. فلما قضي حسين شريف دون ان يبلغ  نهاية العقد الثالث من عمره  بعد .. مشي الامام عبدالرحمن  علي جمر المطاردة والتضييق  الذي نثره الانجليز تحت قدميه فناور و راوغ  المستعمر  وأشهر في وجهه درع التقية وقلبه مطمئنٌ بالإيمان .. فحقن دماء من معه وبذل  ماله وجهده حتي انتصب علم التحرير علي السارية بساعدي الزعيم الازهري والمحجوب .. وعندها إنتحب بدمع النصر وهو الذي “لم يكن قبل اليوم ينتحبُ ” .. كما وصفه المحجوب .. ولكن انتلجنسيا الهزيمة التي  لا تود سوي أَن تذرف الدمع  السخين  علي  المُستَرِق الذي لا حياة للإرقاء بعد ذهابه  .. سوف لن تستنكف عن التوغل  في ثقافة تبخيس عطاء الرجال حتي  و لو لم يكلفها ذلك سوي كبسة زر في عالم الأسافير بأصابع ليس من ورائها  سوي القليل من أنصاف الحقائق .. والكثير من المغالطات المنهجية الموغلة في .. العمق والسذاجة معاً  !

وعندما تحدثك الانتلجنسيا المنهزمة من فضائل الانجليز .. فإنها ستغض الطرف بالضرورة  عن الآلة الحربية الانجليزية  التي سعت لإخماد اي صوت يتعارض مع استتباب امر السودان لهم .. فكان إعدام ود حبوبة ورفاقه في قرية مصطفي بالحلاويين قبل انتصاف العام  ١٩٠٨ وأعقب ذلك إعدام  محمد السيد حامد و رفاقه  في  ثورة سنجة ١٩١٩.. وأبيد الآلاف من اهلنا في جبال النوبة وأُعدم  السلطان عجبنا  في العقد الاول من القرن العشرين .. وبطش الانجليز بعلي الميراوي والمئات من اتباعه في جبال النوبة أيضاً فأعدموه  رمياً  بالرصاص  كما أرسلوا  جيوشهم لإخضاع السلطان علي دينار فأبادوا الآلاف معه الي ان قتلوه  .. ولم يُبْقُوا لنا من إرثه العظيم سوي  القليل من الأساطير الساذجة  كتلك التي تتحدث عن  أطفاله الذين يغتالهم بيد ” الفندك” بكل صباح .. فتلقفت ذلك أفواه الانتلجنسيا التي تتحرق شوقاً لثقافة الهزيمة وما يمكن أن يغذيها من أساطير .. لتملأ بها الامكنة وتشغل بها الناس .. دون أن تذكر  شيئاً عن  تعقب الانجليز للفور ومن حالفهم من القبائل   قتلاً و تنكيلاً حتي  أصبحوا  بلا سلطة  في تلك الدار المسماة  بإسمهم .. ولكن كل ذلك لن يكون كافياً  لزحزحة الانتلجنسيا  عن اعتقادها  الراسخ الذي يصل الي درجة الإيمان العميق بعدالة المستعمر و رقة قلبه !

المفارقة الأكبر ان السلطة الاستعمارية كانت الأسرع الي قمع اي عمل قام به منسوبو المؤسسات التي تم  انشاؤها حتي تخدم أغراضهم ..   فثورة اللواء الابيض  في  العام ١٩٢٤ لم تكن في حقيقتها الا نتاج تحالف عريض  قوامه سودانيون وطنيون أفرزتهم تلك المؤسسات كالشهيد عبدالفضيل الماظ و اليوزباشي الباسل علي عبداللطيف من المؤسسة العسكرية جنباً الي جنب مع  الاميرلاي عبدالله خليل وعبيد حاج النور وخليل فرح ..وقُتل من قُتِل  ونُفي من نُفي حتي حسب البعض أن في بعض هؤلاء مسٌ من جنُة  .. ولكن البعض لا ينفك عن ان يحدثنا عن سيرة الانجليز الذي عدلوا فأمنوا فناموا ..   وكأنما تلك الاحداث جرت في بلد اخر غير الذي نعرفه !

و لم يكن جنوح القوي الوطنية للعمل المدني من خلال مؤتمر الخريجين بمنأى عن سخط السلطات الاستعمارية ولم تكن زنازينهم خالية من المعتقلين السياسيين  كما يتوهم البعض.. وقد خبر تلك الزنازين وعرفها الزعيم الخالد اسماعيل الازهري و الاستاذ محمد احمد المحجوب وعبدالله خليل وأحمد السيد حمد وغيرهم من الرجال الذين لن يذكر نضالهم احد من انتلجنسيا الهزيمة  اليوم ولن يقولوا كلمة إنصاف واحدة في حق الأزهري الذي مضي لربه عفيفاً بعدما شاد بيته بدينٍ آجل ما زالت بعض وثائقه باقية لتشهد علي نظافة كف الرجل .. لن يذكر ذلك احد .. بل عوضاً عن ذلك قد يتناقل البعض منهم  في سطحية مثيرة للتندر ان استقلال السودان لم يأت به نضال القوي السياسية الوطنية وإنما كان نتاجاً  لثورة الشباب الانجليزي في لندن والذي أرغم حكومته علي منح السودان استقلاله!  .. او لأن الاستقلال اتي كعطية  مزين من  البريطانيين الذين قرروا ان يخرجوا من كل مستعمراتهم بحلول منتصف الخمسينات.. وقد يتجاهل ذلك العبقري الذي يأتيك بتلك الأعاجيب .. حقيقة ان بريطانيا ظلت موجودة في  بلد مثل زمبابوي  مثلاً  الي بداية الثمانينات.. او في بلد اخر يقبع في أقاصي أسيا مثل بروناي حتي ما يقارب منتصف الثمانينيّات .. تلك  الحقائق المزلزلة ما زال التيار الانهزامي يقابلها بأعينٍ مغمضة تتناسب مع التركيبة الذهنية التي تؤمن  بنُبل الانسان الأبيض ودوافعه الانسانية التي تسوق لماضيه الاستعماري الناصع..  وتسُدل ستاراً كثيفاً علي نضالات القوي الوطنية التي تقاطعت جهودها واتفقت نحو الاستقلال    !   ومجدداً  نتسأل هنا هل غيبة الوعي هي التي تدفع البعض للخنوع والتسليم بهذه الأفكار  اولاً ..ومن ثم ” دق الطار ” لها بحماسة “المداح”. ؟

ولكن حالة غيبة الوعي عندما تتقمص النخب  تجعلهم كمجموعة من الأفراد الذين تم تنويمهم مغناطيساً  .. وتترك في وجدانهم  جرحاً من الانهزام النفسي لا يبرأ ولا يندمل أبدا .. فتراهم يتوكأون علي عصا بالية لغزو رحاب التاريخ حتي تعم تلك النظرة الظلامية لحقائق الأشياء ..تشكيكاً  في كل حقيقة لا تقبل الجدال ..  وفي سبيل ذلك سيخبرنا الكثيرون ان اي معلومة تشير الي ان السلطان علي دينار كان يكسو الكعبة بكل عام ما هي الا واحدة من أحابيل السودانيين الذين يجيدون تزوير الحقائق لصالحهم .. وفي ذات الشأن قد ينبري لك احدهم بحماسة عجيبة للتأكيد علي  ان آبار “علي ” حول المدينة المنورة قد سميت علي علي بن ابي طالب رضي الله عنه وليس علي دينار ثم لا يفوته أن يؤكد في نهاية نسخته من الرواية علي أن السودانيون قوم يحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا ..   !

ولعل الكسل المعرفي هو السمة الابرز  لتلك الانتلجنسيا التي تتناقل المعلومات  من دون تحقق ..وبالأخص تلك المعلومات التي تقلل من إرث  و موروث  السودانيين  .. فقد يفاجئك احدهم في حبورٍ  بالغ عن  أن كل الدلائل تشير الي ان ود حبوبة لم يكن ثائراً  ولا بطلاً  مقاوماً  للاستعمار .. بل علي الأرجح انه كان علي خلاف مع أخيه في نزاع حول قطعة  ارض تافهة الثمن ولذلك قام ” بعمليته الانتحارية” تلك  .. يتحدث اليك بلهجة الواثق من صحة مصادره  حتي و لو لم يسمع بأن  سلاطين المفتش العام لحكومة الاستعمار الانجليزي  قد ذُعر حينما علم بأنه  يمكن أن يفلت أحد  رفاق ود حبوبة من الإعدام فهدد بالاستقالة اذا لم يعدموا أجمعين .. وهو لا يدرك أن ونجت  – مسئول المخابرات البريطانية وحاكم عام السودان فيما بعد – قد عَنْوَن تقريره عن ذات الثورة بأنها  كانت اكبر تحدي واجهته السلطة الاستعمارية في السودان !

ووصلاً لكل  ذلك مع بعضه بعضاً .. وفِي سبيل الترويج لثقافة الهزيمة وعذابات جلد الذات التي تُشجي  تلك الانتلجنسيا  بما يتوافق   مع ميل طبعي لما سبق  قد ينبعث -في أحيان عدة- من  بنيات إجتماعية مثُقلة بمرارات الماضي .. فإن حملة لواء الهزيمة لن  يتأخروا عن الإنتصار بخواطرهم المُعلنة بكل ما فيها من تبخيس وعدوانية  نحو موروثات شعبية تنضح بإرث المقاومة الوطنية وما صحبها من التاريخ الوطني والقبائلي المشترك والمتقدم بحسابات زمانه ومكانه  .. علي غرار الثورة المهدية  .. وذلك من خلال الرفض النفسي العميق لكل الانتصارات التي حققتها علي المستوي الوطني والشعبي .. ذلك الرفض الذي يُقر  ” ضمناً” .. المتسلط  المحتل علي  تسلطه  ويتواطأ معه  بكلمات تدثرت ببراعة  فيما بين السطور تبحث عن تحقيق  الشرعنة  لما قام به بأثر رجعي  .. بما يُسهل عملية إلباسه ثوب الأنسنة والطهرانية  .. ومن بعد ذلك إلباس المقاوم بزنده الفتي..   ثوب الدروشة والهوس  الذي يؤطر لعملية انهيار الاعتبار للذات ويجعل منها سيدة  المشهد  بكل مكان .

ومع حلول كل ذكري جديدة للاستقلال  تتسابق  ذات الانتلجنسيا لإبداء الإعجاب بطريقة إدارة البريطانيين للبلاد ومؤسساتها ومنها بالأخص  مشروع  الجزيرة  – واعتقد انهم محقون فيما ذهبوا اليه فقد كانت طريقة عبقرية بحق – ولكن لن يخطر علي بال احدهم ان المستفيد الاول من المشروع كان الاستعمار البريطاني – قبل ان يكون اهل السودان- فقد رفد قطن الجزيرة بريطانيا مع غيره من مشاريع الأقطان بإمبراطوريتها .. رفدها بالذهب الابيض مما اسهم في الإبقاء علي عجلة انتاج صناعة النسيج  بلانكشاير وغيرها من مدن بريطانيا .. وحال الانتلجنسيا فيما ذهبت اليه ..  يشابه قصة الفلاح الذي كان يفلح بساتين القيصر في روسيا القيصرية .. مقابل جوال قمح  في كل ٣ اشهر فلما قامت الثورة البلشفية وعرضوا عليه الذهب كأجر له .. قال لا اريد اكثر من  جوال  قمح  فذلك هو ما استحقه.. اما الذهب فتستحقونه انتم .. يا ساداتي  !

ثم تنتقل ذات المجموعات ” بكربلائياتها” فتسكب الدمع السخين علي خطوط السكة الحديد التي  ربطت بما يشبه المعجزة شمال السودان بجنوبه .. ولكن لن يذكر احدهم ان ذات السكة حديد كانت لإستعمال  البريطانيين وحدهم – وخصوصا فيما يعني الشمال والجنوب – و لم تكن لتنقل اهل شمال السودان لجنوبه او العكس بحرية لأن هناك سياسة استعمارية اسمها  سياسة  المناطق المقفولة  لا تريد لاهل الشمال ان يلتقوا بأهل الجنوب فصنعت ضغائن بين الشمال والجنوب اسواء مما صنع الحداد . سيتناسى الكثيرون ان مشروع السكة الحديد بين الشمال والجنوب ذاك كان في إطار حلم إمبريالي بريطاني عظيم سعي الي ربط الاسكندرية بكيب تاون .. ولو علم هؤلاء تلك الحقائق  لأدركوا انهم يتباكون علي امجاد غيرهم .. اكثر مما يتباكون علي أمجادهم  !

وعندما أحكم الإنقاذيون قبضتهم علي البلاد فخنقوا رقاب الناس وضيعوا الوطن ومزقوه ل٢٧ سنة حتي بلغت  الروح الحلقوم  .. إستفاق تيار الهزيمة النخبوي   من وهدته العميقة جزئياً ..  ليدرك أن من يسعي لإستنهاض الشعوب لمقاومة الدكتاتوريات عليه أن يعي أن التاريخ النضالي المشترك  لأي شعب هو الوقود الذي بدون التزود المعنوي من رصيده الثمين .. لن تدور لعجلات التغيير اي قطار علي قضبان اليوم . والذي لا شك فيه أن  النظام قد إستفاد  بميكافيلية مستترة من كل خطابات تحقير  الذات التي روج لها تيار الانتلجنسيا المنهزم .. وإنتفع  النظام بلا مبدئيته الآزلية من طبيعة البنية النفسية والعقلية لتيار الهزيمة للترسيخ لنموذج الانسان المقهور بسياكلوجيته التي تتأبي كل بارقة مشرقة فيما يختص بقضايا الهوية والتاريخ المرتبط بها .. هذا الفعل التراكمي أدي الي نمط علائقي مضطرب نحو الخطاب الثوري  حينما تتصدي الانتلجنسيا المنهزمة لقضايا التغيير ضد نظام القهر والتجويع .. لأن التغيير نفسه فعل أيجابي يتطلب بنية وعي نفسانية مفعمة بالإيمان بالذات الوطنية والإرث الشعبي في المقاومة .. وهي ذات البنية التي  يعمل تيار الانتلجنسيا علي التأسيس لحالة خصومة نفسية عميقة معها ..مما يوقع تلك المجموعات في مأزق أيدولوجي مأزوم  .. ينتج  فيما ينتج  متاريس ذاتية موضوعية  تقاوم عملية التغيير نفسها .

من المهم جداً الا يفهم القارئ مما سبق أن فيه تأييداً لما تبنته الحكومات الوطنية التي تلت الاستعمار من  سياسيات متخبطة عمقت أزمات البلاد و ساقت الوطن  الي مربعات اللاعودة بين شموليات باطشة متجبرة الي ديموقراطيات حالت مغامرات العسكر وتحالفاتها مع القوي العقائدية  دون بلوغها مبالغ الرشاد . وبين هذا وذاك عجز التيار النخبوي المنهزم عن النقد الذاتي لمساهماتهم كأفراد ومجموعات في الترسيخ لما سبق من أزمات سواء من خلال المشاركة بنصيب مقدر فيها أو بالترقب السلبي  لتغييرٍ يأتي بما تشتهيه أنفسهم وهم مستغرقون في حالة متواصلة من لعن الظلام من دون أن تمتد أياديهم المرتجفة  لإيقاد شمعة واحدة . ذلك العجز الذي استغرق ذات المجموعات في سلوك ارتمائي مُنهِك علي يوتوبيا حالمة من البكائيات المستمرة علي حوائط البريطانيين واختزال تلك الفترة في إنجازات مادية  قامت لمصلحة السيد اكثر من قيامها لمصلحة المُستَرَق … هو ذات العجز الذي أفضي الي حالة من التعلق الوجداني اللاموضوعي  بمثالية الأبيض الغازي المزعومة التي تجُب ما قبلها من دماء السودانيين التي أريقت في سبيل التمكين له ولسطوته  .. وكأنها ذهب المعز  الذي اشتري به ولاءً سرمدياً لتلك النخب حتي وإن إنطلق ذات الولاء من ذهنية الرضوخ وعوالم اللاوعي  .

ان التيار الانهزامي   يفوته دوماً  ان ذكري استقلال الشعوب هي ذكري انتصار متافزيقيا الحرية المتأصلة في إنسانية الانسان منذ الازل   والتي تتجاوز بحدودها كل التفاصيل  المادية والبكائيات التي ليس ورائها من طائل .. فقد حان الاوان لإسدال  الستار علي ذلك المسلسل المشحون بما يكفي من الطاقات السالبة المهُدرة فيما لا يبقي ولا ينفع الناس . حان الاوان للكف عن مقارعة الذات في دهاليز التاريخ  بسيف دون كيشوت الخشبي الذي ما حقق له في يوم ما اي انتصار .. ولو كان هناك من عدوٍ واحد يتوجب علي الجميع مقارعته في يوم ذكري الاستقلال المجيدة .. فليس هناك سوي نظام الفقر والمسغبة الانقاذي  الذي قتل وشرد وشتت وقسم بلداً بحجم مليون ميل .

وعلي تيار الهزيمة أن يعلم أن عليه الأن أن يقلب صفحات التباكي علي المستعمر البريطاني الذي ذهب بفردوسه المفقود الي غير عودة . وعليهم أن يقرأوا من صفحات يوم كهذا بواقعيتها التي تتطلب أن تتعلق كل القلوب والأبصار بشئ واحد لا ثاني له ..  الا و هو  تحقيق الاستقلال مرة اخري للوطن بدك عرش طاغوت الإنقاذ التي  سلبت إنسانية انسان السودان وأمتصت بأنيابها الطفيلية من دمائه  كل ما بقي كرامته وعزته .


عدد القراءات: 139


اضف تعليقك على الفيس بوك